عادات الأكل في الصين.
آداب تناول الطعام في الصين ليست مجرد عادات لتناول الأكل، بل هي انعكاس عميق لثقافة المجتمع وقيمه التقليدية. ترتبط هذه الآداب ارتباطًا وثيقًا بالفلسفة الكونفوشيوسية، التي تجعل من السلوك والأخلاق جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان حيث تركز هذه الفلسفة على مفهوم "اللياقة"، بإعتباره مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الناس.
اتباع هذه الآداب على المائدة يعزز الانسجام والاحترام المتبادل، ويجعل كل لقاء اجتماعي تجربة متزنة ومؤدبة.كما تساعد هذه القواعد في تنمية الفضيلة الأخلاقية والوعي بالقيم الإنسانية، ليصبح كل تصرف يومي انعكاسًا لشخصية متوازنة ومجتمع متماسك.
تعكس عادات الأكل مبادئ عميقة متجذّرة في ثقافة الصين، مثل احترام الأكبر سنًا، والتوازن المستوحى من فلسفة اليين واليانغ في اختيار الأطعمة، إضافة إلى الالتزام بتسلسل هرمي واضح داخل الأسرة والمجتمع. حتى التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، كطريقة استعمال عيدان الطعام أو ترتيب الجلوس، تحمل معاني رمزية تعبّر عن الذوق، الانضباط، وحسن السلوك.
لفهم ثقافة أي شعب، لا بدّ من الاطلاع على عاداته اليومية وعادات الأكل عند الصينيين مختلفة حقا, إذْ يجلس الصينيون حول موائدهم ويتشاركون الطعام وكأن كل يوم وليمة جماعية، حيث يصبح كل طبق فرصة لإظهار الكرم وحسن الضيافة. وحتى في ظل ميزانية محدودة، يحرصون على تقديم وجبات غنية ومتنوعة، مما يجعل آداب تناول الطعام جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية.
هل سبق وأن تساءلت عن سر التفاصيل الصغيرة على المائدة الصينية؟ 😋 في هذا المقال، سنأخذك في جولة ممتعة بين أهم الطقوس والعادات، لتكتشف كيف تعكس هذه التفاصيل ثقافة الصينيين وحياتهم اليومية، وما هو المسموح و الممنوع على مائدتهم.
1-مأكولات ورموز:
رموز المأكولات تلعب دورًا مهمًا جدًا في العادات الصينية، لأن الطعام عندهم لا يُؤكل لمجرد الشبع، بل يحمل معاني ثقافية ورمزية عميقة تؤثر على طريقة التقديم، الأكل، وحتى اختيار الأطباق في المناسبات.
ولكي تتضح هذه الرموز أكثر، سنعتمد أسلوب «تخيّل نفسك هناك»، فتعيش الموقف وكأنك جزء منه، وتفهم المعنى كما يراه أهل المكان.
- أنت الآن أمام مائدة صينية، والسمكة كاملة أمامك، تمد يدك لتأكل أعلاها، ثم يخطر ببالك أن تقلبها لتصل إلى ما تبقّى. لكن فجأة، يوقفك صاحب المطعم بابتسامة خفيفة.هنا في الصين، السمكة ليست طبقًا عاديًا. إنها حكاية قارب صغير يحمل رزق الصيادين وأحلامهم بالعودة سالمين. وقلبها على الطبق يشبه انقلاب القارب في عرض البحر… صورة لا تُحبذ، لأنها ترمز إلى سوء الحظ والغرق والفقدان..لهذا، لا تُقلب السمكة.
👈النتيجة: للوصول إلى لحم السمكة السفلي، يكتفي الصينيون بإزالة العمود الفقري بلطف، دون قلب السمكة احترامًا لرمز القارب.
🐡نودلز عيد الميلاد:
- تخيّل نفسك جالسًا على مائدة صينية في يوم عيد ميلادك بالطبع لن تحتفل بكعكة وشمعة، بل أمامك وعاء من النودلز من يأكلها كاملة يُبارك بالحياة الطويلة والسعادة. كل خيط يمثل سنة من حياتك.
👈النتيجة: يقال إن عدم قطعها يضمن لك العمر الطويل والفرح في العام القادم.
🐡 النقر على الشاي:
- في يومٍ من الأيام، يعرض عليك شخص صيني دعوة على مائدته. يرحّب بك بابتسامة هادئة، ويجلسك بين الضيوف. أول ما تلاحظه هو فنجان الشاي أمامك، لا يفرغ أبدًا، وكلما نقص قليلًا يعود المضيف ليملأه من جديد لكن ليس كاملًا، يتركه عند حدّ معيّن بنسبة 70% فقط لأنه وفقًا لعادات الأكل الصينية، يجب ألا يُترك فنجان الشاي يجف أبدًا. فمن الوقاحة تركه فارغًا.
- تلاحظ أن الجميع يشرب الشاي على مهل، دون استعجال. تفهم حينها أن الشاي لا يُشرب دفعة واحدة، بل يُستمتع به بهدوء رشفة بعد رشفة كجزء من طقس الاحترام والسكينة. ثم تلمح حركة أخرى دقيقة حين يُمسك أحدهم إبريق الشاي، لا يوجّه فوهته أبدًا نحو الشخص الجالس أمامه، بل يحرص على توجيهها نحو مكان فارغ. إشارة بسيطة، لكنها تحمل معنى الاحترام وتجنّب أي تصرّف غير لائق على المائدة.
- وأنت تراقب، تنتبه كذلك لحركة غريبة الجميع ينقر بخفة على الطاولة. في البداية تستغرب، ثم تكتشف أنها طريقة قول شكرًا دون كلام. ترى بعضهم ينقر بقبضة اليد ثلاث مرات إذا كان المضيف أعلى مكانة، وآخرون ينقرون بالسبابة والوسطى ثلاث مرات إذا كانوا من نفس المكانة، وأحيانًا نقرة واحدة فقط إذا كان المضيف أقل مكانة.
- مع مرور الوقت، تجد نفسك تقلّدهم تلقائيًا. كلما امتلأ فنجانك، تنقر على الطاولة بهدوء دون أن تنطق بكلمة. تشعر أنك لا تتعلّم عادة أكل فقط، بل تدخل عالمًا من الاحترام الصامت، حتى شرب الشاي له لغة خاصة.
👈النتيجة: النقر على الشاي ليس مجرد حركة، بل لغة احترام ومجاملة تعكس تقديرك للمضيف وللآخرين على المائدة.
قصة : عادة النقر على الطاولة عند صبّ الشاي
يُحكى أنه في عهد أسرة تشينغ، قرّر الإمبراطور تشيان لونغ أن يخرج متخفيًا ليجرب حياة عامة الشعب. عمل في أحد المطاعم، يقدّم الطعام ويصبّ الشاي للزبائن بنفسه. كانت حاشيته وجنوده خائفين عليه، فتنكّروا بدورهم ودخلوا المطعم كأنهم زوّار عاديون.
2- آداب المائدة الصينية:
💧احترام الكبار أولوية: لا يجوز للصغار البدء بتناول الطعام قبل الكبار، بل يجب انتظارهم حتى يجلسوا ويبدؤوا الأكل. ويُعدّ ترتيب الجلوس من أهم قواعد المائدة؛ فإذا لم يجلس الضيف المُكرَّم أو الشخص الأكبر سنًا، فلا يُسمح للآخرين بالجلوس أو البدء بالطعام.
💧استخدام عيدان الطعام باحترام: تُستعمل عيدان الطعام فقط لالتقاط الطعام من الأطباق المشتركة، ويُمنع استخدامها للإشارة أو اللعب، لأن ذلك يُعتبر سلوكًا غير لائق.
💧الهدوء أثناء الأكل: التحديق في الطبق أو مراقبة الطعام بطريقة مبالغ فيها يُعدّ تصرّفًا غير مهذب. يُفضّل تناول الطعام بهدوء واحترام، مع الانتباه للسلوك العام على الطاولة.
💧ابدأ بما أمامك: من قواعد اللياقة أن تبدأ بتناول الطعام من الطبق الموجود أمامك مباشرة، دون مدّ يدك إلى أطباق بعيدة قبل الآخرين.
💧التواصل أولًا: يُفضّل تجنّب مشاهدة التلفاز أو استخدام الهواتف المحمولة أثناء الأكل، لأن وقت الطعام يُعدّ فرصة للتواصل والتفاعل بين أفراد الأسرة أو الضيوف.
💧لا تُقدّم لنفسك أولًا: يُعتبر تقديم الطعام لنفسك قبل كبار السن أو الضيوف تصرّفًا وقحًا وأنانيًا. القاعدة الأساسية هي تقديم الطعام للكبار والضيوف أولًا.
💧الشكر واجب: إذا قام شخص أكبر سنًا بوضع الطعام في وعاء شخص أصغر منه، يجب على الأصغر أن يشكره، فهذه لفتة احترام متبادلة.
![]() |
| آداب المائدة الصينية. |
💧مواعيد تناول الطعام في الصين:
- وجبة الإفطار عادةً تكون بين الساعة 6 و 9 صباحًا.
- وجبة الغداء تُقدم بين الساعة 12 و 2 ظهرًا.
- وجبة العشاء تُقدم بين الساعة 6 و 9 مساءً.
ومع ذلك، يمكن أن تختلف هذه الأوقات قليلاً حسب المنطقة ونمط الحياة الفردي.
💧 الطعام وسيلة للسعادة: يرى الكثير من الصينيين أن الأكل وسيلة لتحقيق السعادة، وأن الطعام قادر على نقل مشاعر ورسائل تتجاوز مجرد الطعم.
💧الأكل يبدأ بالعين: يؤمن الصينيون أن اللقمة الأولى تكون بالعين، لذلك يحرصون على جمال شكل الطعام وتزيينه بعناية.
💧عدم استخدام السكين والشوكة: نادرًا ما يستخدم الصينيون السكين أو الشوكة، لأن الطعام يُحضّر بأحجام صغيرة تسهّل تناوله بعيدان الطعام.
3- المحرمات المتعلقة بعيدان الطعام:
في الصين، بعض الأشياء تحكمها محرمات خاصة بها، وعيدان تناول الطعام ليست استثناءًا. إليك أبرز القواعد التي يجب الانتباه لها عند الأكل:
🚫 وضع العيدان:
- ترتيب عيدان الطعام على الطاولة بأطوال غير متساوية يُعتبر دليلاً على سوء الحظ.
- ترك العيدان رأسًا على عقب عند الجلوس لتناول الطعام يُشير إلى التسول، والمتسول لا يملك حق الاختيار.
- عدم ادخال العيدان بشكل عمودي في وعاء الأرز، فهذا يشبه طقوس حرق البخور التي تُستخدم لتغذية الموتى.
🚫 استخدام العيدان أثناء الأكل:
- تجنّب امتصاص عيدان الطعام مع إصدار أصوات متكررة في الفم، فهذا سلوك غير لائق.
- لا تضرب الأطباق أو الأوعية بالعيدان، فهذا يُعتبر احتقارًا للآخرين.
- لا تقلب الأطعمة أو تبحث بينها باستخدام العيدان، فهذا ما يُسمّى "بحفر القبور"، وهو تصرّف وقح وغير صحي.
- لا تستخدم العيدان لتقطيع الطعام، واطلب سكينًا إذا رغبت بقطع أكبر.
- لا تستخدمها للطبل أو الإشارة بطريقة غير لائقة، وعند وضعها على المسند تأكّد أنها لا توجه إلى شخص يجلس مقابلك، كأنك تشير إليه بإصبعك.
🚫 التعامل مع الطعام:
- لا تأكل الطعام مباشرة في فمك، بل ضعه في صحنك أولًا ثم ارفعه للأكل.
- لا تستخدم العيدان التي أكلت بها للتقاط الطعام من الأطباق المشتركة، فهناك عيدان طعام مخصصة للطبق المشترك.
- عندما يتبقى القليل من الطعام في آخر الجلسة، لا تأكله وحدك، بل شاركه مع الآخرين، فالأخلاق تحتم التفكير في الآخرين أولًا، مثل السؤال: "هل تريد أن تأكل القطعة الأخيرة من الزلابية؟".




